" ان اجتماع الحكومة والولاة اليوم يندرج ضمن سنة اللقاءات التي ارتضينا عقدها مرتين في السنة عام 2006 اللقاءات التي تتيح فرصة نغتنمها لنقوم بصفة دورية خططنا التنموية وتتبين مواطن الاختلال والعجز فيها ونحدد آجال الانتهاء من تطبيقها.
وقد قررنا هذا العام تكريس اجتماعنا خصيصا لملف الشباب.
قبل بضع سنوات شرعنا في عملية تقويم واسعة شملت جميع مناحي الحياة الوطنية.
فبدءا من الوئام المدني ووصولا الى المصالحة الوطنية ومن إصلاح المنظومتين القضائية والتربوية الى التخلص من المديونية مرورا بإنعاش النمو وتقليص البطالة وعودة السلم التي لاريب فيها خطت بلادنا خطوات موصولة ثابتة على درب إعادة الاعمار والتنمية.
لكن يبقى الكثير مما يجب الاضطلاع به للخروج نهائيا من دائرة التذبذب والاضطراب ولتمكين بلادنا من ان تتبوأ مكانها ضمن عالم لا يكبح فيه للمنافسة جماح.
من هذا المنظور يكتسي مشكل الشباب بالغ الاهمية بالنسبة لمستقبل البلاد وذلك من حيث انه يشكل أحد أخطر جوانب المشكل العام الذي يطرحه اطراد عملية التقويم الوطني.
ان فئة الموطنين الذين لا تتجاوز اعمارهم الثلاثين سنة هي الفئة التي تطغى على هرم الاعمار في بلادنا اذ تمثل نسبة تقارب 70 % من الساكنة. تطرح انشغالاتها وطموحاتها واحتياجاتها مشاكل اجتماعية حقيقية يتعين علينا ادراجها ضمن الاولويات الوطنية الملحة حتى نعيد شبيبتنا الى فطرتها التي جبلت عليها ألا وهي الثقة في مستقبلها وفي مستقبل بلادها.
ذلكم هو الشرط الذي يخول لنا تذكيرها حين يجب التذكير بأن الاعتراف لها بالحقوق يفرض عليها بالقدر نفسه الحرص على عدم إغفال ما يقع على عاتقها من واجبات.
ذلكم هو الشرط الوحيد الذي يمكننا من بعث الحركة فيها بما يدفعها الى تفتيق وتوظيف تمام ما تملكه من الملكات والمواهب والقدرات. بهذا الشرط لا غير يمكننا أن نحميها من الإغراءات المضرة ومن التلاعب التي تعشعش في أرضية الإحباط والقنوط المتولدين عن البطالة والتهميش والإقصاء.
حضرات السيدات والسادة
لقد بذلت الدولة جهودا مضنية من أجل ايجاد مناخ موات لازدهار الشبيبة ولإدماجها اجتماعيا ومهنيا. من ذلك ان المدارس والجامعات ومراكز التكوين تستقبل اليوم ما يقارب العشرة(10) ملايين من أبنائنا وانه تم انجاز آلاف المنشآت الرياضية والثقافية .
فمنذ بداية العشرية الراهنة خصصت الدولة زهاء 150 مليار دينار لقطاع الشباب والرياضة وحده في اطار برامج التجهيز.
لقد تم انجاز مئات بل آلاف المشاريع في القطاعات الأخرى ذات الصلة بالشبيبة وهناك مشاريع اخرى قيد الانجاز.
وكان من ثمار هذه الجهود ان نسبة النجاح في شهادة البكالوريا تجاوزت لاول مرة 50 % في حين قارب تعداد الطلبة المليون طالب واستقبلت مراكز التكوين المهني اليوم اكثر من 500.000 شاب.
لكن وبالرغم من أهمية الجهود المبذولة في سبيل توفير المناخ المواتي لازدهار الشبيبة وادماجها بحق في المجتمع ما تزال بعض المشاكل الخطيرة تحيق بالجيل الجديد وتتربص به الدوائر.
والمشاكل هذه التي تتغذى منها آفات الجنوح والعنف والهجرة الى آفاق اخرى يصبح حلها على قدر أكبر من الصعوبة بفعل تعرض هذه الفئة من المواطنين تعرضا مباشرا لشرور الازمة التي ألمت ببلادنا.
انه لا بد من الاعتراف في هذا المقام بأن السياسات الوطنية لم ترق دوما الى مستوى تطلعات شبابنا ذلك أنها كانت تفتقر للنجاعة والانسجام بسبب غياب الآليات العملية للتشاور والتنسيق بين مختلف الهيئات المكلفة بشؤون الشبيبة.
وجاءت عمليات السبر التي تناولت تطلعات الشباب لتؤكد هذا الواقع بما يقيم الدليل على انقطاع العلاقة بين الشبيبة وبين مساعي السلطات العمومية.
من ثمة انزلقت شبيبتنا شيئا فشيئا نحو غياهب أزمة عميقة تتجلى على وجه الخصوص في اضمحلال الروح الوطنية وضياع معالم الهوية والابعاد الثقافية وفي الابتعاد عن القيم الاصيلة التي تقوم عليها أركان المجتمع وفي صعوبة أن تفتح لنفسها أفاقا مستقبلية.
ان هذه كلها مؤشرات تجعل الشاب عرضة للوقوع في سائر اشكال الانحراف والتطرف وتجعله ظلما وعدوانا في احيان كثيرة عرضة للاتهامات الجماعية.
ان هذه الازمة وانها لأزمة قائمة بالفعل ينبغي ان تعالج بكل شجاعة وتبصر.
فعلينا ان نحسن اداءنا وان نرقى به الى مستوى المشاكل المطروحة . علينا ان نقلص الهوة بين المقاربات السابقة وسياق اصبح اكثر تعقيدا سياق لم يعد المحيط الاجتماعي و لا البيئة الاجتماعية يؤديان دورهما الإدماجي بحيث غدت استقلالية الشاب فيه محل اشكال متزايد وأضحت المسارات الفردية متذبذبة على الدوام بما طبع وضع الشباب بالهشاشة وأدى الى فقدان الثقة في اجهزة اتخاذ القرار العمومية وإجمالا الى العزوف بقوة عن كل ما يتصل بالحياة العامة.
ومن حيث ان الشبيبة يتوقف عليها مستقبل الأمة قاطبة وانها تستوقفنا بشأن قدرتنا على تثمير مخزون العامل المعقود عليها فإننا بحاجة اليوم الى تجديد نظرتنا اليها والى تغيير موقفنا ازاءها واعتماد مقاربات ومناهج جديدة في التكفل بتطلعاتها وأمالها.
في هذا المنظور وفي هذه المرحلة الراهنة من التطورات التي تشهدها البلاد والتي تطبعها على الخصوص ظاهرة الانتحاريين و أولئك الذين يركبون البحر في مغامرة غير مأمونة العواقب" الحراقة" فان مشكلة مصير الشباب ومستقبله تطرح نفسها على السلطات العمومية أكثر من اي وقت مضى أنها مشكلة تقتضي إعمال الفكر وإنتاج التحاليل بل وأكثر من ذلك القيام بمساع تشاورية دؤوبة جادة على أوسع نطاق.
ان الدولة والجماعات المحلية مطالبة بالتمعن في سياستها تجاه الشباب و لا سيما فيما يتعلق بإشراكه في جهدنا الجماعي لإعادة الأعمار وفيما يخص مستقبل الشباب في ظل العولمة الجارفة القائمة على المنافسة الشرسة لكن كذلك و بوجه أخص فيما يتعلق بإشراكهم في اتخاذ الاجراءات الضرورية التي تقيهم من الاستغلال لإغراض إجرامية وتثنيهم عن اللهث بلا طائل وراء الحصول على تأشيرات البلدان الأجنبية.
فكيف لنا أن نعيد لشبابنا الثقة في قدراته الذاتية وفي مؤسسات بلاده.
ان الشباب ومستقبله يجب ان يكونا اليوم أكثر من اي وقت مضى في صلب المساعي والنشاطات العمومية.
من ثمة كانت ضرورة تطبيق سياسة متوازنة قوامها الحرص على تحقيق الانسجام بين حقوق المواطنين لا سيما الشباب منهم و واجباتهم من جهة والحرص على إدراج هذه السياسة ضمن مسعى شامل وإدماجي ومنسق يتمحور حول أهداف ترقية النشاط الكشفي والنشاطات التربوية والإدماج الاجتماعي والتنشيط الثقافي والعلمي والترفيهي والإصغاء والحوار والإعلام والاتصال ناهيك عن حماية الشباب والحفاظ عليه من جهة أخرى.
ان هذا المسعى لن يكتب له النجاح ولن يؤتي أكله الا إذا اتفقت مساعي مختلف قطاعات الدولة ذاتها التي تقع على عاتقها المسؤولية الجسيمة للتكفل بالشباب حول الأهداف الاستراتيجية والمبادرات الملحة التي يتعين القيام بها من اجل الاستجابة لاحتياجات الشباب والحفاظ عليه وإعداده لتولي المسؤوليات مستقبلا.
ان المقاربة القائمة على التنسيق ما بين القطاعات قمينة بضمان الانسجام الا مثل بين برامج ونشاطات كل قطاع من القطاعات المكلفة بالشباب وبرامج ونشاطات جمعيات الشباب .
حضرات السيدات والسادة
ان مشكلة الشباب في بلدنا على غرار العديد من البلدان الاخرى اتخذت صبغة مأساوية منذ تفشي ظاهرة ما يسمى ب"الحراقة" وهي لفظة حديثة العهد وقع معناها الفظيع شديد على النفس تعكس حدة الازمة التي تتخبط فيها الشبيبة في عالم اليوم.
ولا إخالني في حاجة الى الاشارة الى مدى خطورة هذه الآفة لا سيما في مجتمعنا المعروف بتمسكه بتقاليده العريقة وبالوشائج العائلية.
قد يزداد عدد الحراقة البالغ 2400 فرد تم إحصاؤهم وعدد انتحاريي العاصمة والاخضرية وباتنة ودلس ما لم نأخذ الامر مأخذ الجد.
انه يتعين على القطاعات المكلفة بالشبيبة اعتماد التسيير الاستشرافي للمشاكل كل حسب اختصاصه وباعتماد التشاور الدائم.
وفي هذا المنظور ينبغي جعل الرياضة المدرسية والنشاطات الكشفية مثلا ضمن الاولويات الوطنية مثلها مثل بقية الجوانب التربوية.
والامر سواء بالنسبة للتنشئة على مبادئ المواطنة ومحاربة التهميش بشتى اشكاله. وقد تزداد تقهقرا الرياضة التي تشهد ويا للأسف انحطاطا يبدو وكأنه اصبح مؤبدا اذا لم تتكفل بها الاطراف الفاعلة العمومية والخاصة تكفلا جادا ومشتركا.
وفي ذات الوقت ينبغي ان تقوم السياسة الشبابية المتجددة على انخراط الشباب ومشاركته بصفة أكثر فعالية في بناء مستقبله.
ذلك انه ينبغي للشباب ان يبرز كطرف فاعل في المجتمع عبر ما يمنحه له من فرص المبادرة وعبر ترقية الحياة الجمعوية التي تعد البوتقة الحقيقية للمواطنة.
من هذا المنطلق يتعين على الدولة ان تبادر الى تقويم السياسات الموجهة للشبيبة تقويما صارما لا محاباة فيه لا سيما في مجال التشغيل وأن تدخل التصويبات اللازمة على الآليات القائمة حاليا.
وعلى الدولة أن تطبق الامر ذاته في مجال النظم التعليمية وبخاصة منها نظام التعليم المهني.
كما يتعين عليها تشجيع ظهور حياة جمعوية متجددة ودعمها في اطار علاقة شراكة حقيقية.
سيتم وضع سياسة ادماجية جديدة تتوخى تحسين فعالية المبادرات القائمة وتجديد مناهج العمل.
ولا أراني في حاجة الى الالحاح على ضرورة اعتناء المسؤولين في جميع القطاعات بوجوب اشراك الشباب في البرامج المزمع اطلاقها.
ان هذه السياسة ليست سياسة ظرفية . انها سياسة تنصب على المدى الطويل بما يمكنها من الاستجابة لتحديات مستقبل لا يرحم.
إنني أدعو الشباب الى تنظيم نفسه. انه سيستفيد في هذا المنظور من دعم السلطات دعما كاملا وسيمكنه المساهمة مساهمة كلية في تسطير المشاريع التي تعنيه وتنفيذها كخطوة أولى لادماجهم الفعلي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفي انجاز المشاريع الكبرى للبلاد.
يفترض تجنيد الشباب أن تكون برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية متساوقة مع انشغالاتهم وأن تتكفل بطموحاتهم وتفتح أمامهم حقيقة آفاق المستقبل رحبة فسيحة.
بهذه الشروط لا غير ستتمكن بلادنا من تعزيز عملية إعادة البناء الوطني التي بدأناها في مطلع القرن الجديد هذا والتي يتحتم علينا مواصلتها من أجل ضمان تنميتها ورخاء شعبنا.